ابن بسام

96

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

استتمّ هؤلاء الخلّة نعيم يومهم ، من طعمهم وطيبهم ، أقيموا للدخول على المأمون ، فسلّموا عليه ، ودعوا له . فأقبل عليهم أحسن قبول ، وردّ أجمل ردّ ، وأمر بإدخالهم إلى سيّد مجالسه المسمّى المكرّم ، نتيج همّته ، وبديع حكمته ، السائر خبره ، الطائر ذكره ، المعدوم نظره [ 1 ] ، ليمتعوا أبصارهم بالنّزهة ، ولم يكن أكثرهم رآه إلى يومهم ذلك مع علوق [ 2 ] وصفه بخواطرهم ، فلما رأوه صغر عندهم ما كانوا يستكبرونه من وصفه ، ورجعوا أبصارهم فيه ، ونبّه بعضهم بعضا على دقائق معانيه . قال ابن حيان ، قال ابن جابر : وكنت ممن أذهلته فتنة ذلك / المجلس ، وأغرب ما قيّد لحظي من بهيّ زخرفه الذي كاد يحبس عيني عن الترقي عنه إلى ما فوقه إزاره الرائع الدائر بأسّه حيث دار ، وهو متّخذ من رفيع المرمر الأبيض المسنون ، الزّارية صفحاته بالعاج في صدق الملاسة ونصاعة التّلوين ، قد خرّمت في جثمانه صور لبهائم وأطيار وأشجار ذات ثمار ، وقد تعلّق كثير من تلك [ 3 ] التماثيل المصوّرة بما يليها من أفنان أشجار وأشكال الثمر ما بين جان وعابث ، وعلق بعضها بعضا بين ملاعب ومثاقف ، ترنو إلى من تأمّلها بألحاظ عاطف ، كأنها مقبلة عليه ، أو مشيرة إليه . وكلّ صورة منها منفردة عن صاحبتها ، متميّزة [ من ] شكلها ، تكاد تقيّد البصر عن التعلّي إلى ما فوقها . قد فصل هذا الإزار عمّا فوقه كتاب نقش عريض التقدير ، مخرّم محفور ، دائر بالمجلس الجليل من داخله ، قد خطّه المنقار أبين من خطّ التزوير ، قائم الحروف بديع الشّكل ، مستبين على البعد ، مرقوم كلّه بأشعار حسان ، قد تخيّرت في أماديح مخترعه المأمون . وفوق هذا الكتاب الفاصل في هذا المجلس بحور منتظمة من الزجاج الملوّن الملبّس بالذهب الإبريز ، وقد أجريت فيه أشكال حيوان وأطيار ، وصور أنعام وأشجار ، يذهل [ 4 ] الألباب [ 66 ] ويقيّد الأبصار . وأرض هذه البحار مدحوّة من أوراق الذهب الإبريز ، مصوّرة بأمثال تلك التصاوير من الحيوان والأشجار بأتقن تصوير وأبدع تقدير . قال : ولهذه الدار بحيرتان ، قد نصّت على أركانهما [ 5 ] صور أسود / مصوغة من الذهب الإبريز أحكم صياغة ، تتخيّل لمتأمّلها كالحة الوجوه فاغرة الشّدوق ، ينساب من

--> [ 1 ] ص : ذكره ؛ والنظر والنظير بمعنى . [ 2 ] ص : علو . [ 3 ] ص : ذلك . [ 4 ] ص : يذل . [ 5 ] ص : أركانها .